سيد محمد طنطاوي

397

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

بسم اللَّه الرّحمن الرّحيم مقدمة وتمهيد 1 - سورة « المنافقون » من السور المدنية الخالصة ، وعدد آياتها إحدى عشرة آية ، وكان نزولها بعد سورة « الحج » ، وقبل سورة « المجادلة » « 1 » . وقد عرفت بهذا الاسم منذ عهد النبوة ، فقد جاء في حديث زيد بن أرقم - الذي سنذكره خلال تفسيرنا لها - أنه قال : « فلما أصبحنا قرأ رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم سورة المنافقين » . وقال الآلوسي : أخرج سعيد بن منصور ، والطبراني في الأوسط - بسند حسن - عن أبي هريرة ، قال : كان رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم يقرأ في صلاة الجمعة في الركعة الأولى بسورة الجمعة ، فيحرض بها المؤمنين ويقرأ في الركعة الثانية بسورة المنافقين ، فيقرع بها المنافقين . 2 - والمحققون من العلماء على أن هذه السورة ، نزلت في غزوة بنى المصطلق ، وقد جاء ذلك في بعض الروايات التي وردت في سبب نزول بعض آياتها ، والتي سنذكرها خلال تفسيرنا لها - بإذن اللَّه - وكانت هذه الغزوة في السنة الخامسة من الهجرة . وذكر بعضهم أنها نزلت في غزوة « تبوك » ، ومما يشهد لضعف هذا القول ، أن المنافقين في هذا الوقت - وهو السنة التاسعة من الهجرة ، كانوا قد زالت دولتهم ، وضعف شأنهم ، وما كان لواحد منهم أن يقول : لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ . 3 - وسميت هذه السورة بسورة « المنافقون » ، لأنها فضحتهم ، ووصفتهم بما هم أهله من صفات ذميمة ، ومن طباع قبيحة ، ومن مسالك سيئة . . . ويكاد حديثها يكون مقصورا عليهم ، وعلى أكاذيبهم ودسائسهم . وحديث القرآن عن النفاق والمنافقين ، قد ورد في كثير من السور المدنية ، ففي سورة البقرة نجد حديثا مستفيضا عنهم ، يبدأ بقوله - تعالى - : ومِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّه وبِالْيَوْمِ الآخِرِ ، وما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ . وفي سورة آل عمران نجد توبيخا من اللَّه - تعالى - لهم ، كما في قوله - عز وجل - : الَّذِينَ قالُوا لإِخْوانِهِمْ وقَعَدُوا ، لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا ، قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ .

--> ( 1 ) راجع الإتقان في علوم القرآن ج 1 ص 27 للسيوطي .